الشيخ محمد رشيد رضا
9
الوحي المحمدي
التي يتولى خريجوها تعليم الناس فيها ؛ فما من أحد يتعلم فيها من أتباعها إلا وهو يعتقد أن جميع المسلمين أعداء للمسيح والمسيحيين كافة . فيجب عليه عداوتهم ما استطاع . والحق الواقع أن الإسلام هو صديق المسيحية المتمم لهدايتها ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم هو الفارقليط روح الحق الذي بشر به المسيح عليه السلام « 1 » . ( الحجاب الثاني ) : رجال السياسة الأوروبية ؛ فإنهم ورثوا عداوة الإسلام من الكنيسة وتلقوا مفترياتها في الطعن عليه بالقبول ، وضاعف هذه العداوة له والضراوة بحرية طمعهم في استعباد شعوبه واستعمار ممالكهم . وإذا كان رجال الدين قد ملئوا الدنيا كذبا وافتراء على الإسلام - ومن أسس الدين الصدق وقول الحق والحب والرحمة والعدل والإيثار - فأي شئ يكثر فعله على رجال السياسة وأساس بنائها الكذب ، وأقوى أركانها الجور والظلم والعدوان ، والقسوة والإثرة والخداع ؟ وهو ما نراه بأعيننا ونسمع أخباره بآذاننا كلّ يوم في المستعرات الأوروبية بل نحن نعلم أنّ سبب افتراء رجال الدين على الإسلام هو السياسة لا الدين نفسه ، وأن قاعدتهم المشهورة ( الغاية تبرّر الوسيلة ) سياسية لا إنجيلية ، فما كان لدين أن يبيح الجرائم والرذائل باتخاذها وسيلة لمنفعة أهله وإن كانت دينية . ( الحجاب الثالث ) : سوء حال المسلمين في هذه القرون الأخيرة ؛ فقد فسدت حكوماتهم وشعوبهم ، واستحوذ عليهم الجهل بحقيقة دينهم ومصالح دنياهم ، حتى صاروا حجة لأعدائهم فيهما على أنه لا خير فيهم ولا في دينهم ، وأمكن هؤلاء الأعداء أن يفتنوا بهذه الحجة الداحضة أكثر من يتخرج في مدارسهم السياسية الإلحادية ، والدينية التنصيرية ، من أبناء ملتهم أو جلدتهم ومن غيرهم ، حتى نابت المسلمين أنفسهم أيضا ، وهم يختارون من هذه النابتة الأفراد التي تتولى أعمال الحكومة والتعاليم في مدارسها في كل قطر خاضع لنفوذ دولهم الفعلي بأي اسم من أسمائه . من فتح وامتلاك وحماية واحتلال وانتداب أو لنفوذهم السياسي والتعليمي ، كما فعلوا في بلاد الترك وإيران ، لتساعدهم على هدم كل شئ إسلامي فيها من اعتقاد وأدب وتشريع . وقد كان السيد جمال الدين الأفغاني - حكيم الإسلام وموقظ الشرق - يرى أن هذا الحجاب أكثف الحجب الحائلة بين شعوب أوروبا الحرة والإسلام ، ونقل لي الثقة عنه أنه
--> ( 1 ) راجع آخر الفصل 15 وأوائل ( 16 : 12 - 14 ) من إنجيل يوحنا .